الحديث · النص كما في المجموعة المعتمدة
نهج البلاغه و تفسیر، المجلد ١، قسم ١، خطبة ١٦٥: آفرينش طاووس
- الرواية ١
وَ مِن خُطبَةٍ لَهُ عَليهِ السَّلامُ يَذْکُرُ فِيها عَجِيْبَ خِلْقَةِ الطَّاوُوسِ
- الرواية ٢
آبْتَدَعَهُمْ خَلْقآ عَجِيبآ مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ، وَ سَاکِنٍ وَ ذِي حَرَکَاتٍ؛ وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ آلْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، مَا آنْقَادَتْ لَهُ آلْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ، وَ مُسَلِّمَةً لَهُ، وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْکَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ، وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِي أَعْلامِهَا، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ آلْجَوِّ آلْمُنْفَسِحِ، وَ آلْفَضَاءِ آلْمُنْفَرِجِ. کَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَکُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَ رَکَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ، وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي آلْهَوَاءِ خُفُوفآ، وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفآ وَ نَسَقَهَا عَلَى آخْتِلافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ. فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ؛ وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ.
- الرواية ٣
وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقآ الطَّاوُوسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْکَمِ تَعْدِيلٍ، وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ. إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَ سَمَا بِهِ مُطِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ کَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ. يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ. يُفْضِي کَإِفْضَاءِ الدِّيَکَةِ، وَ يَؤُرُّ بِمَلاقِحِهِ أَرَّ آلْفُحُولِ آلْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ. أُحِيلُکَ مِنْ ذلِکَ عَلَى مُعَايَنَةٍ، لا کَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ. وَ لَوْ کَانَ کَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَي جُفُونِهِ، وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِکَ، ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ آلْمُنْبَجِسِ، لَمَا کَانَ ذلِکَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ آلْغُرَابِ.
- الرواية ٤
تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ، وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ، وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ آلْعِقْيَانِ، وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ. فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قُلْتَ: جَنىً جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ کُلِّ رَبِيعٍ. و َإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ فَهُوَ کَمُوشِيِّ آلْحُلَلِ، أَوْ کَمُونِقِ عَصْبِ آلْيَمَنِ. وَ إِنْ شَاکَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ کَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ آلْمُکَلَّلِ. يَمْشِي مَشْيَ آلْمَرِحِ آلْمُخْتَالِ، وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَيْهِ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِکآ لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ، وَ أَصَابِيغِ وَ شَاحِهِ؛ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَکَادُ يُبِينُ عَنِ آسْتِغَاثَتِهٍ، وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ کَقَوَائِمِ الدَّيْکَةِ آلْخِلاسِيَّةِ. وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ.
- الرواية ٥
وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ آلْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ. وَ مَخْرَجُ عُنُقِهِ کَالْإِبْرِيقِ، وَ مَغْرزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ کَصِبْغِ آلْوَسِمَةِ آلْيَمَانِيَّةِ، أَوْ کَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ، وَ کَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ؛ إِلاَّ أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِکَثْرَةِ مَائِهِ، وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ،أَنَّ آلْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ. وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ کَمُسْتَدَقِّ آلْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ، أَبْيَضُ يَقَقٌ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِکَ يَأْتَلِقُ. وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ، وَ عَلاهُ بِکَثْرَةِ صِقَالِهِ وَ بَرِيقِهِ، وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ، فَهُوَ کَالْأَزَاهِيرِ آلْمَبْثُوثَةِ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ، وَ لا شُمُوسُ قَيْظٍ.
- الرواية ٦
وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى، وَ يَنْبُتُ تِبَاعآ، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ آنْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ، ثُمَّ يَتَلاحَقُ نَامِيآ حَتَّى يَعُودَ کَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، لا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَ لا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَکَانِهِ! وَ اِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْکَ حُمْرَةً وَ رْدِيَّةً، وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً، وَ أَحْيَانآ صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً، فَکَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هذَا عَمَائِقُ آلْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ آلْعُقُولِ، اَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ آلْوَاصِفِينَ! وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِکَهُ، وَ الْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ! فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ آلْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاَّهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَکَتْهُ مَحْدُودآ مُکَوَّنآ، وَمُؤَلَّفآ مُلَوَّنآ؛ وَ اَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ!
- الرواية ٧
وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَ آلْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ آلْحِيتَانِ وَ آلْفِيَلَةِ! وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ إِلاَّ يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إِلاَّ وَ جَعَلَ آلْحِمَامَ مَوْعِدَهُ، وَ آلْفَنَاءَ غَايَتَهُ.
- الرواية ٨
فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِکَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَکَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُکَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى آلدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا، وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِکْرِ فِي آصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي کُثْبَانِ آلْمِسْکِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَ فِي تَعْلِيقِ کَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَ أَفْنَانِهَا، وَ طُلُوعِ تِلْکَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَکْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَکَلُّفٍ فَتَأْتي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ آلْمُصَفَّقَةِ، وَ آلْخُمُورِ آلْمُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ آلْکَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ آلْقَرَارِ، وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ. فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَکَ أَيُّهَا آلْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْکَ مِنْ تِلْکَ آلْمَنَاظِرِ آلْمُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُکَ شَوْقآ إِلَيْهَا، وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ آلْقُبُورِ آسْتِعْجَالاً بِهَا. جَعَلَنَا آللهُ وَ إِيَّاکُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ.